الممنوع مرغوب ٤

31-08-17

ناقشنا في مقالات سابقة الجوانب القانونية والتقنية للرقابه والحجب الرقمي. سنناقش في آخر مقالة من هذا العدد الجوانب التقنية والإقتصادية. طريقة عمل الإنترنت معقدة ولكن سنبسطها هنا لتسهيل فهمها وبالتالي لكي نفهم طريقة عمل الحجب. تخيّل شخص في مصر يحاول الوصول إلى موقع فرنسي. عندما يضع عنوان الموقع في متصفحه يقوم جهازه يبعث طلب يمر عبر خوادم مزود الإنترنت المحلي إلى ما يُسمّى البوابة الدولية ليصل إلى الخادم الذي يستضيف الموقع الفرنسي الذي يستجيب بتلبية الطلب ليستطيع مستخدم الإنترنت في مصر من تصفّح الموقع. خلال هذه العملية السريعة والمعقدة يستطيع مزود الإنترنت أو شركة الاتصالات من اعتراض الطلب من الثانية التي يبدأ بها عبر حجب عنوان الآي بي للموقع أو عبر إعتراضه عبر الخوادم المحلية

نوع آخر من حجب المواقع والتطبيقات يعتمد على حجب البروتوكول الذي ينقل المعلومات بأسره. هذا النوع من الحجب شائع مع الخدمات التي توفر الاتصال عبر الإنترنت أو ما يسمى بڤويب. تعمد شركات الاتصالات إلى حجب هذه الخدمات لكي تحقق ربحا مادياً عبر احتكارها سوق الاتصالات وخصوصاً الدولية. النوع الثالث من الحجب يقوم على حجب كلمات البحث المواضيع لا تعجب الحكومة. مثلاً الإمارات كانت تحجب كلمات تخص مجتمع الميم عند كتبها في محركات البحث. وقد اتُهّم محرك بينج التابع للشركة مايكروسوفت بالتعاون مع الحكومات لحجب كلمات البحث وقد بررت مايكروسوفت ذلك بأنها تلتزم بالقوانين الخاصة بالدول

فعالية الحجب والرقابة مرتبط تماماً بمدى التنسيق والتعاون بين الدولة ومزودي خدمات الانترنت وشركات الاتصالات. في أغلب البلدان العربية هناك تنسيق عالٍ وغالباً ما يكون هؤلاء المزودين مملوكين من الدولة أو أشخاص في الحكم، وليس لدى المزود أي خيار غير الالتزام بالتعليمات الحكومية

أساليب السيطرة على المعلومات على الإنترنت ليست سهلة التنفيذ ويمكن أن تواجه العديد من التحديات اعتمادا على حجمها وطبيعتها. الناحية الفنية، فإن العديد من الدول العربية تستخدم تقنية حجب مواقع الآي بي لحجب المواقع. هذه التقنية سهلة التنفيذ ولكن من السهل الإلتفاف حولها عبر إستعمال شبكة خاصة إفتراضية أو ما يُعرَف بالڤي بي أن أو البروكسي. أدواتها تجاوز والرقابة عديدة وسهلة التنزيل على أجهزة الكومبيوتر أو عن متاجر آبل وغوغل الإلكترونية

النوع الثاني من الحجب موجود في أكثر من بلد عربي وبالأخص الدول الخليجية. حجب بروتوكول الإنترنت يمنع التطبيقات أو الصفحات من إيصال خدماتها كاملة لمستخدميها. على سبيل المثال، تطبيق إيمو للمراسلة لديه تخابر كتابي عبر الرسائل، كما لديه تخابر فيديو وتخابر فيديو. لو كان هذا التطبيق يستعمل بروتوكول إنترنت يو دي بي للتخابر الصوتي وتم حجب ذلك البروتوكول من قِبَل مزود خدمة الإنترنت، فإن خدمة الصوت لن تعمل بينما خدمة الرسائل الفورية ستستمر بالعمل وهذا حال تطبيقات واتساب و فيسبوك مسنجر في السعودية مثلاً. يمكن استعمال أدوات تجاوز الرقابة تجاوز هذا الحجب ولكن لن يمكن إستخدام الأدوات التي تستخدم البروتوكول المحجوب عينه

علاوةً على أساليب الحجب المذكورة أعلاه، هناك أيضاً حالات تُقطَع فيها الانترنت كليا. في عام ٢٠١٦ شهدت بلدان عربية حالات قطع للإنترنت بررتها الحكومات بأسباب أمن قومي بقطع الإنترنت عن منطقة الدراز في البحرين التي كانت تشهد حراك شعبي إعتراضاً على ممارسات الحكومة البحرينية. سوريا شهدت أيضاً قطع للإنترنت بررتها الحكومة بعطل تقني ولكن الحكومة السوري تستخدم قطع للإنترنت أثناء القيام بأعمال وعسكرية في مناطق معينة. كما أن العراق والجزائر شهدت قطع للإنترنت أثناء الامتحانات المدرسية والجامعية لمنع الغش

حجب الإنترنت وقطعها لهم تأثيرات سلبية على الاقتصاد كما ذكرنا سابقا. إجمالياً، هذه الكلفة تتعدى المليار دولار في ٢٠١٦ موزعة على أكثر من ست بلدان عربية، وذلك بحسب التقرير المذكور أعلاه والذي يختم بالقول: “قطع الوصول إلى خدمات على الإنترنت أو قطعها كلياً، حتى ولو لفترة قصيرة من الوقت، يؤذي النمو الاقتصادي، يضع حياة الناس في خطر، يُبعد الناس عن أهلها وأصحابها، ويقلل ثقة المواطنين بالدول التي تأخذ خطوات غير محسوبة قاسية كهذه

ختاماً نقول أن المستخدمين العرب سيصلون إلى المحتوى الرقمي المحجوب بوسائل مختلفة إن أرادوا ذلك. في الزمن الرقمي الذي نعيش فيه، التحكم بالانترنت خيار مُكلف وغير عملي على المدى الطويل حيث ستخسر الدولة الكثير باتخاذه. يبقى أن نقول أن الخطر الأساسي الذي يهدد حرية التعبير على الإنترنت هو اللامبالاة وتقبّل كل ما تفعله الدولة تحت راية الأمن والدين، وهذا التبرير غالباً ما يُستَغَل كما أظهرت هذه السلسلة من المقالات. تقع مسؤولية زيادة الوعي حول هذه الأخطار على الأفراد والمنظمات الناشطة في مجال حرية الرأي  AFEMENA والتعبير وخصوصاً على الإنترنت والذين يقومون بعمل جبار في أكثر من بلد عربي ومنها