الممنوع مرغوب (٣) كيف تستعمل السلطات وشركات الإتصالات القانون والعادات الإجتماعية للتحكم بالمحتوى الرقمي؟

28-08-17

بقلم: أمين جبران

مصدر الصورة: http://filehippo.com/

ناقشنا في المقالات السابقة التبريرات وراء استغلال الدين والثقافة المجتمعية لحجب المعلومات في البلدان العربية. هذه المقالة تناقش ما إذا كانت هذه الممارسات الرقابية فعالة أم لا وكيف يتصرف مستخدمو الإنترنت في البلدان العربية تجاهها

كما كتبنا سابقا فإن البلدان العربية تستعمل أساليب مختلفة للتحكم بالمحتوى الرقمي. تتراوح هذه الأساليب بين القانوني، الإجتماعي والثقافي، والتقني. الأساليب القانونية مستعملة غالبا في البلدان العربية عبر قوانين مكافحة الإرهاب وقوانين الجرائم الإلكترونية التي تمكن الدولة من حجب، فلترة، وقطع الإنترنت. قامت الإمارات في ٢٠١٦ بسن قانون يقضي بحبس كل من يمتلك جهاز تجاوز للرقابة (VPN) على هاتفه وتغريمه ما يعادل النصف مليون دولار أمريكي

لغة القانون الإماراتي مطاطة والقانون نفسه غير قابل للتطبيق الفعلي لأن سجون الإمارات ستمتلئ بنصف سكانها أو أكثر. غالبا ما يكون لهذا القانون غايتين: ١ ) تخويف العامة من استعمال هذه الأدوات التي تمكنهم من تجاوز حجب محتوى وخدمات الإنترنت مما يسبب خسارة مادية لشركات الاتصالات المملوكة من الدولة. ٢) استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان عبر توقيفهم والبحث في هواتفهم مما يمكن السلطات من اعتقالهم وسجنهم. ليس الإمارات البلد العربي الواحد الذي يستعمل هذه الأساليب لقمع المعارضين والأقليات المختلفة كمجتمع الميم. البلدان العربية الأخرى لديها قوانين شبيهة وتستغلها بنسب متفاوتة. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الاستغلال إلى تآكل الحريات الفردية ومصداقية القضاء ومؤسساته

الأساليب القمعية الأخرى تتغذى أيضا على العادات والتقاليد المجتمعية مثل ثقافة العار التي تربط إستعمال أدوات تجاوز الرقابة بالولوج إلى مواقع “مشبوهة” مثل المواقع الإباحية والقمار. هذا الإعتقاد ينبع من أن الدولة تحجب هذه المواقع للمحافظة على أخلاق المجتمع وذلك بذاته يمكن اعتباره عمل خير. غير أن هذه النظرة لا تأخذ بعين الإعتبار نفاق الدولة واستغلالها لهذه المسائل كغطاء تحجب من خلاله ما يتوافق مع مصالحها وتمكين سلطتها

الطرف الذي يدافع عن ثقافة الحجب لا يتطرق إلى التطور الرقمي الذي يتزايد كل يوم والذي يجعل من تجاوز الرقابة عمل سهل نسبيا لمن يمتلك القليل من المعرفة التقنية. تجاوز الحجب هو أمر سهل نسبيا لمن أراد ذلك وهذه حقيقة يدركها أي شخص مر بس المراهقة بحيث أن على زماننا وقبل الانتشار الواسع للإنترنت كنا نجد مئة طريقة للحصول على الأشياء الممنوعة علينا. ولم يكن ذلك بسبب رغبتنا الشديدة بهذه الأشياء على قدر ما كان السعي وراء الممنوع … الذي يصبح مرغوب

على المقلب الآخر، لا يجب التبخيس بفعالية الممارسات القمعية الرقمية حيث أنها تؤدي إلى عقلية انهزامية تقبل كل ما تقوم به السلطة. هذه العقلية الانسياقية تتكل على كسل مستخدمي الإنترنت من إيجاد حلول لتجاوز الحجب وبالتالي عدم تحدي هذه الممارسات القمعية التي تسمح للسلطة وشركات الاتصالات من التمادي في الحجب والفلترة. ما حصل في المغرب في عام ٢٠١٦ هو خير دليل على ذلك حيث

حجب مزودو خدمة الإنترنت تطبيقات الصوت عبر الإنترنت، وكان هناك غضب عارم أدى إلى حملات مقاطعة واسعة. وردا على ذلك، بدأ المغاربة بتحميل أدوات تجاوز الرقابة بأعداد كبيرة. وقد نجم ذلك عن حملة من المجتمع المدني تشجع على استخدام تلك الأدوات للتحايل على المنع. وفي ظل الضغط الكبير رضخ مزودي خدمات الإنترنت وألغوا قرارهم

في ظل هذه الأزمة لم تعط الحكومة المغربية أجوبة واضحة على قرار منع مزودي خدمة الإنترنت مما كشف موافقتها الضمنية عليه. في الأشهر التي تلت تلك الحادثة عاد الحجب مترافقا مع حملة مدبرة بشكل جيد في وسائل الإعلام تنشر فكرة أن استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة محظور بموجب القانون، بالإشارة إلى قانون يعود إلى عام 2004 تحدث عن عدم قانونية الاستخدام التجاري الشبكات الافتراضية الخاصة وأن خرق هذا القانون يمكن أن يعرض المستخدمين للسجن والملاحقة القانونية

على الرغم من عدم صحة المعلومات وصعوبة إكتشاف وملاحقة كل من يملك أداة تجاوز رقابة، نجحت هذه الحملة في تخويف المستخدمين. عند حدوث الحجب مرة أخرى لم يكن هناك غضب عارم أو إحتجاج مؤثر من المجتمع المدني حتى ولم تشهد العديد من أدوات تجاوز الرقابة نسب تنزيل كالتي رأتها في المرة السابقة. تظهر الحالة المغربية العقلية الانسياقية التي ترضخ للأمر الواقع عن جهل بحقائق الأمور. هذه الحالة ليست خاصة بالمغرب وبلدان أخرى كمصر واليمن ودول الخليج تحجب تطبيقات الخدمات عبر الإنترنت من غير أن تواجه مقاومة تذكر. سنلقي الضوء في آخر مقالة من هذه السلسلة على الجانب التقني من الحجب و الاستعمال الواسع لأدوات تجاوز الرقابة