الممنوع مرغوب (٢) إستعمال الحكومات العربية للمعتقدات الدينية والإجتماعية لتهميش الأقليات

28-08-17

هل الحقوق الفردية أكثر أهمية من الحقوق الجماعية في المجتمع؟ النقاش الفلسفي والفكري حول هذه المسألة وانعكاساتها على حرية الرأي والتعبير على الانترنت هو طويل ومعقد ولا يقع ضمن نطاق بحثنا. ولكن نتائج السياسات المستوحاة من هذه القضية ستخضع لتدقيقنا وتمحيصنا. من النادر أن نرى مجتمع يعطي كامل الحرية للحقوق الفردية على حساب الحقوق الجماعية. وغالبا ما نرى أن هناك حدود للحقوق الفردية، لا سيما عند انتهاكها حقوق الغير، وهناك عدة أمثلة على ذلك مثل خطاب الكراهية أو المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال. هذه هي حال أغلب البلدان الغربية حيث حكم القانون متآلف مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. في المقلب الآخر، البلدان ذات المجتمعات المحافظة تقدم الحقوق الجماعية على الحقوق الفردية، وأغلب الدول العربية تقع في هذه الخانة

من المعلوم أن آراء وثقافة المجتمعات العربية متأثرة بالدين، وخصوصا الإسلام، ولديها نظرة شرقية لكل ما يتعلق بالأخلاقيات والمستحدثات الإجتماعية والثقافية. على سبيل المثال لا الحصر، التعري أو الإباحية العلنية هم ممنوعان في البلدان الغربية والشرقية،  نجد أن البلدان الغربية تعطي مجال للحريات الفردية عبر السماح بالمواقع الإباحية على الإنترنت وشواطئ العراة بينما المجتمعات الشرقية وخاصة المسلمة تمتنع عن ذلك تماشيا مع العادات الاجتماعية والمعتقدات الدينية.  شرح بريان ويتاكر الصحفي في جريدة الغارديان نظرة المجتمع العربي لمجتمع الميم بطريقة رائعة حيث قال

على الرغم من أن المجتمعات المسلمة اليوم يمكن وصفها بأنها تعاني من رهاب المثلية فإنه من الخطأ أن ينظر إلى رهاب المثلية كمشكلة قائمة بذاتها: إنها جزء من متلازمة تندرج فيها حقوق الأفراد في المصالح المتصورة للمجتمع، وغالبا ما تحافظ على روح “إسلامية”. والنتيجة هي أن المجتمع يعلق قيمة عالية على المطابقة وتصبح التعبير عن الفردية غير مرغوبة؛ هناك تركيز قوي على الحفاظ على “القواعد” الاجتماعية ومواكبة المظاهر – على الأقل في الأماكن العامة

 

من المتوقع أيضا أن لا تتغير عادات ومعتقدات مجتمعات محافظة كالمجتمع السعودي مثلا بين يوم وليلة. غالبا ما يكون تغيير من هذا النوع بطئ ومضني. لكن المشكلة تكمن في إستغلال الحكومات للحقوق الجماعية لكي تستهدف الحقوق الفردية لمواطنيهم وبالتالي تهميشهم. مجتمع الميم هو واحد من أكثر الجماعات المستهدفة مباشرة بهذا النوع من الترهيب في البلدان العربية. نتاج هذا الفكر يظهر جليا في حالات مثل حالة جريدة ماي كالي الإلكترونية في الأردن التي أجبرتها الحكومة على الإغلاق بعد تهجم نائبة من البرلمان عليها بتهمة أنها تروج للمثلية الجنسية. وحتى بعد إغلاقها إستمر العاملون فيها بتلقي تهديدات بالقتل

التمييز ضد مجتمع الميم هو تمييز مؤسساتي واجتماعي ومعنوي في كثير من البلدان العربية وحتى في البلدان التي يمكن أن يعبر فيها

أفراد مجتمع الميم عن هوياتهم دون خوف على حياتهم (مثل لبنان)، لا تزال هناك قوانين تمييزية ضدهم تنتظر التنفيذ. وعلاوة على ذلك، يمتد التمييز إلى العالم الرقمي حيث يحظر عليهم أن يكون لهم أماكن آمنة. تعتمد السودان، اليمن، ودول الخليج تكتيكات كثيرة لمنع الوصول إلى المحتوى عبر الإنترنت عبر حجب المواقع وحتى عبر تقييد الوصول إلى الكلمات الرئيسية في محركات البحث. هناك تكتيكات عدوانية أكثر تقوم على استهداف المستخدمين الذين يبحثون عن علاقة مثلية على الإنترنت عبر الزج بهم في السجون أو “فضحهم” مما يسبب لهم أضرار عائلية وإجتماعية

 

تبرر الحكومات المحاولات الرامية إلى استهداف مجتمع الميم عبر منع الوصول إلى محتوى منصاتها بأن هذه المنصات تروج لديها محتوى غير أخلاقي، واضعة إياها في نفس خانة المحتوى الإباحي. مع العلم أن منصات مجتمع الميم التي يتم حظرها من قبل السلطات لا تعرض محتوى جنسي عليها، بل محتوى اجتماعي وثقافي. في هذه الحالة، غالبا ما تعتمد الحكومات العربية تبريرات لديها غطاء من السلطة الدينية في البلاد مما يجعلها غير قابلة للطعن والتشكيك

 

إعطاء الغطاء الديني للسياسات الحكومية يسمح للعامة بالدفاع عنها وحتى نشرها لظنهم أنهم يفعلون ذلك بدافع أخلاقي وديني. ديماغوجية هذا الطرح يصبح من السهل “غربلة” وتصنيف الناس بين جيد وسيئ، أخلاقي ولا-أخلاقي، طبيعي وغير طبيعي. إستعمال هذا المنطق يسمح للدولة والسلطة الدينية أن تصنف كل من لا يعجبهم بالطريقة التي يريدونها بنية إستهدافهم. بالنتيجة هذا المنطق هو مدمر لحرية الرأي والتعبير سواء على الإنترنت أو في الواقع

المشكلة الأخرى مع سياسة الحجب والرقابة هذه أنها ليست فعالة جدا ولا تحقق هدفها المعلن وهو منع الناس من الوصول إلى المحتوى الذي تعتبره الحكومة “غير لائق”. وكما ستظهر المقالة التالية، غالبا ما يجد مستخدمو الإنترنت وسيلة لتجاوز الحجب والوصول إلى المحتوى الذي يريدونه والحكومة تعرف ذلك جيدا مما يجعلنا نطرح الأسئلة التالية: لماذا يستمرون في هذا الحاجب إذا؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني تغيير السرد الموجود لصالح إنترنت مفتوح وغير مقيد؟