الممنوع مرغوب (١) نظرة عامة حول الرقابة، الحظر، والحجب في العالم العربي

17-08-17

أنتجت ثورة الاتصالات التي واكبت الإنترنت في التسعينات العديد من الفرص و التحديات. لم يسبق للتاريخ أن شهد تكنولوجيا تملك قوة تغييرية بهذا الشكل الكبير . فقد أصبح الإنترنت عاملا أساسيا ذو تأثير ملحوظ في جميع ميادين حياتنا الاقتصادية منها و الثقافية و حتى على الصعيد الشخصي

أكدت دراسات عدة أن زيادة انتشار الإنترنت في بلد معين له تأثير إيجابي على نمو الناتج المحلي الإجمالي. كما هناك نتائج إيجابية أخرى لارتفاع معدلات اعتماد الإنترنت تتعلق مباشرة بحقوق الإنسان الأساسية مثل حرية التعبير والرأي والتي تستفيد مباشرة من ازدياد معدلات المعرفة والتعلم والوصول إلى المعلومات وخلق مساحات للحوار. وهذا الربط الطبيعي يمكن استنتاجه بسهولة من المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على

لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا طفرة في اقتصاد الإنترنت في العديد من البلدان. وتعد معدلات ما يسمى إختراق الإنترنت عبر الهواتف المحمولة من أعلى المعدلات في العالم وهي مستمرة في النمو. ومع ذلك، وحتى مع ارتفاع معدلات انتشار الإنترنت في البلدان العربية، تحاول الحكومات حصر استخدام الإنترنت للغايات الاقتصادية، مع تجاهل أو محاربة توسع استعمال الإنترنت إلى مناطق أخرى ذات أهمية بالغة

ووفقا لتقارير متعددة لتقييم حرية التعبير على الإنترنت فإن البلدان العربية غالبا ما تأتي في المراتب الأخيرة.على سبيل المثال صنفت منظمة “مراسلون بلا حدود” في تقرير لها عام 2017 ستة من الدول العربية كإحدى أسوأ مرتكبي الجرائم ضد حرية الرأي. كما أن العديد من الدول العربية تستخدم أساليب مختلفة لحجب وفلترة المعلومات عبر تبريرات تتعلق بالأمن القومي وقوانين مكافحة الإرهاب ومعاقبة المواطنين الرقميين من أجل آرائهم وأفكارهم. نستنتج من ذلك أن “حرية التعبير ليست نتيجة حتمية للابتكار التكنولوجي. وبالتالي تتأثر سلبا وإيجابا بتصميم التكنولوجيات والسياسات والممارسات التي تكون أحيانا بعيدة كل البعد عن حماية حرية التعبير (يونسكو، ٢٠١١.

بالإضافة إلى ذلك ترتكز العديد من تبريرات الحكومات للتحكم بالمعلومات على حجج تتعلق بالدين والعادات فتحجب العديد من المواقع التي تعتبرها لا أخلاقية. لكن هذا الحاجب عادة ما يكون غطاء لممارسة حجب أوسع على كل محتوى يعارض سياسة الدولة أو توجهها الديني وذلك يطرح العديد من الأسئلة: هل هناك ما يبرر قيام الحكومات بحجب ومراقبة المحتوى على أسس ثقافية ودينية؟ هل حقوق الإنسان عالمية أم أنها تتوقف عند المعايير الثقافية والدينية للمجتمع؟ هل الحقوق الفردية تأخذ أفضلية على حقوق الجماعة قام العكس ؟ وفي الحالة التي تسود فيها حقوق الجماعة هل تصبح مراقبة المعلومات التي تحجب المواقع التي تعتبر “غير لائقة” مبررة وضرورية؟ ماذا يفقد المجتمع عندما يعطي الحكومات الحق في السيطرة على ما يراه ويقرأه؟ ماذا يفعل الفرد عندما لا يوافق على ممارسات الدولة في التحكم في المحتوى الرقمي؟

ستحاول هذه السلسلة من المقالات الإجابة على هذه الأسئلة لتسلط الضوء على قيام الحكومات العربية بإستعمال عاملي الدين والعادات الإجتماعية للتضييق على حرية الرأي والتعبير على الإنترنت