عندما ورد خبر عن رياضية من مغايرات النوع الإجتماعي على إحدى محطات التلفزيون اللبنانية مؤخراً، كانت ردة فعل طبيب يشاهد الأخبار إلى جانبي: “على الأرجح أنّه كان يعاني من ضمور العضو الذكري. هذا ما جعله يريد تغيير جنسه ليصبح امرأة.” وعندما قلت له أنّ كون المرء مغاير جنسياً ليس بالضرورة نتيجة مرض فيزيولوجي بل هو متعلق برؤية الإنسان لهويته الجندرية، لم يبد على الطبيب علامات الإقتناع.

ردّة الفعل المعتادة هذه (حتّى من قبل أشخاص متعلّمين) عكستها نتائج دراسة حديثة تبيّن أن معظم اللبنانيين ينظرون إلى الأفراد المغايرين جنسياً على أنهم في المقام الأول ضحايا يعانون من حالة مرضية، وبالتالي هم بحاجة إلى علاج. وقد قام القيمون على الدراسة خلال العام الماضي باستطلاع آراء وإجابات ١٢٠٠ شخصاً ممثلين لكافة اللبنانيين، وقد سئلوا عن مواقفهم من الجنسانية والنوع الاجتماعي. هذه الدراسة والتي استمرت على مدى عامين، صدرت عن مركز الموارد الجندرية والجنسانية التابع للمؤسسة العربية للحرية والمساواة، وتهدف إلى سد فجوة كبيرة في المعلومات المتوفرة للعاملين في مجال الحقوق الجندرية والجنسانية في لبنان.

وما تظهره الدراسة أيضاً هو أنّ أغلبية الناس يخلطون بين المثلية الجنسية ومغايرة النوع الإجتماعي. فمسألة إدراج الجندر عامةً تحت إطار الثنائية، أي إما أن يكون الإنسان رجل أو إمرأة، يجعل فهم هوية المغايرين والمغايرات جنسياً أمراً معقّداً بالنسبة للكثيرين. فمعظم الناس ليسوا قادرين على قبول مفاهيم واسعة ومطّاطة للمعاني الخاصة التي يعبّر من خلالها المرء عن النوع الإجتماعي والهويّة وعلاقتها بالجندر المفروض عليه وذاك الذي يشعر به.

ولكن هناك مؤشرات واعدة تبيّن أن المواقف تجاه الأفراد الترانس تتغير ولو ببطء ويتمّ مواجهة الصور النمطية باستمرار من خلال النشاط الحقوقي على شبكة الإنترنت.

حتّى المقاربة القانونية للمسألة يبدو أنها تتغيّر. فقد قامت قاضية لبنانية العام الماضي بإصدار حكم اعتُبر أنّه تقدمي جداً منح مغاير جنسياً الحق بتغيير إسمه ونوعه الإجتماعي في سجلّ نفوسه (من أنثى إلى ذكر).

والحكم في حدّ ذاته والذي تم الإعلان عنه في كانون الثاني هو خطوة إيجابية مهمّة بالمقاييس اللبنانية والعربية. وقالت القاضية جانيت حنّا في حكمها:

“الجهة المستأنفة” عانت منذ ولادتها من مرض اضطراب الهوية الجنسية وتمتعت بمظاهر وملامح ذكورية بحتة لجهة المظهر الخارجي، كما لجهة الخصائص النفسية والعاطفية والتصرفية (…) واستحصلت على تقرير طبي ورد فيه أن قرارها إجراء عملية لتصبح ذكراً هو نتيجة نضج وتطور    (…) وهي تستطيع إجراء هذه العملية من الناحية النفسية…  تحول جنس المستأنفة ناجم عن عمل طبي ضروري لشفائها ولتخليصها من المعاناة التي رافقتها طيلة حياتها… حق الشخص في تلقي العلاج اللازم لما يعانيه من أمراض جسدية ونفسية، هو حق أساسي وطبيعي ولا يمكن لأحد أن يحرمه منه.”

وثمة تطور آخر ملفت وهو الاهتمام والانتباه الذي أعطي لفيلم هوليوودي تحدّث بصراحة وجرأة عن موضوع المغايرة الجنسية. والفيلم واسمه، “الفتاة الدنماركية”، يحكي قصة حقيقية لفنانة مغايرة جنسياً كانت من أولّ  من قاموا بعمليّة جراحية لتغيير جنسها. وقد تمّ عرض الفيلم في الصالات اللبنانية والملفت أنّ الرقابة لم تحذف أياً من مشاهده أو تمنع عرضه. أما في بلدان عربية أخرى، وتحديداً الإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان والبحرين والأردن والكويت، فقد تمّ حظر الفيلم.

في قطر، تمّ سحب الفيلم من دور السينما بعد أنّ كان قد بدأ عرضه وذلك بسبب ردّات الفعل السلبية على الانترنت إذ اشتكى بعض المشاهدين من أنّ الفيلم “منحطّ أخلاقياً”.

ورغم قصر فترة عرض الفيلم فإن ردّات الفعل في بلدان الخليج المحافظة جاءت أكثرها معادية. وقد ظهرت على تويتر حملة تحت الهاشتاغ التالي: (# لا لعرض الفتاة الدنماركية) تقول على سبيل المثال أنّ الفيلم يجب حظره، لأنّه يعزّز قيم تتناقض مع التقاليد الإسلامية. وقد دافع بعض الناس على تويتر عن الحقّ بعرض الفيلم. وقال أحدهم أنّ المغايرين جنسياً هم أناس طبيعيون ويجب تقبّلهم.

وعلى الرغم من الإنطباع بأنّ الناس في العالم العربي بشكل عام غير محبّذين لفكرة تغيير المرء لجنسه جراحيّاً، هناك عدد من الفتاوى (الأحكام الشرعية) التي حلّلت إقامة جراحات تغيير الجنس لبعض الحالات. والفتاوى تعتمد على أحاديث نبوية تشير إلى ميلٍ طبيعي عند بعض الرجال للتصرف كما النساء. وبالإستناد إلى تلك الأحاديث، يقول بعض رجال الدين أن الذكور الذين لديهم بعض الخصائص البيولوجية الأنثوية يمكن اعتبارهم مرضى يحتاجون إلى العلاج وبالتالي يستحقون الحصول عليه.

وتحاول مجلّة حديثة على الإنترنت، تدعى “ترانسجندر العرب“، تغيير المفاهيم من خلال مقالات التوعية العلمية والاجتماعية والشهادات الحيّة. ويتحدث أحد المقالات عن قصة فتاة أميركية مغايرة جنسياً انتحرت العام الماضي لأنّ محيطها لم يتمكن من فهم حالتها النفسية واستيعابها. ويذكر مقال آخر آراء لبعض العلماء المسلمين تقول إنّ تغيير الجنس ليس ضد التعاليم الإسلامية.

المجلّة التي أطلقتها مجموعة من الأفراد من مناطق عربيّة مختلفة تقول أنّ مهمتها تتمثل في تقديم الدعم لمغايري ومغايرات النوع الإجتماعي بالإضافة إلى توعية الجمهور العام.

أيضاً، تقوم صفحة على الفيسبوك بعنوان ترانس العرب تم إنشاؤها من قبل بعض النشطاء بتقديم النصائح الطبيّة والنفسية وغيرها للمغايرين والمغايرات جنسياً. أحد المواضيع على جدار الصفحة (والتي لديها ٥٢٠ لايك) ينادي بحق المغايرين والمغايرات جنسياً من المنطقة العربية بطلب اللجوء إلى الدول الغربية، حيث يستطيعون الحصول على حقوقهم. وتستعرض الصفحة فيديو من يوتيوب يُظهر أطباء واختصاصييّن في مصر يشرحون بمصطلحات علمية الحالات النفسية التي يعاني منها المغايرين والمغايرات جنسياً. وتقول خبيرة في الفيديو المأخوذ من برنامج حوار على قناة مصرية محلية أنّه من غير الصحيح علمياً اليوم الحديث عن إضطراب بالهوية الجنسية بل يتوجّب توصيف الوضع على أنّه “ديسفوريا” أو عدم تطابق بين الهوية الجندرية والجنس البيولوجي. وأوضحت أنّ الحالة تشبه الإحساس بأنّ المرء سجين في “جسد خاطئ”.

ولا يبدو أنّ هناك تعليقات معادية على الصفحة. ويمكن أنّ التعليقات المؤذية يتمّ رصدها وحذفها من قبل القيّمين على الصفحة. ويقوم زوار الصفحة من المغايرين أو المغايرات جنسياً باستخدام الموقع في بعض الأحيان للتعارف ومشاركة التجارب.

على موقع بلانت ترانسجندر، وهو منبر عالمي على الإنترنت، هناك مقالات لمغايرين ولمغايرات جنسياً من المنطقة العربية يصفون فيها الصعوبات القانونية والإجتماعية التي يتعرضون لها.

وفي كافة الدول العربية، يبقى الإطار القانوني لجراحات تغيير الجنس غير واضح. وتظهر بعض التقارير أنّ تلك العمليات قد تتمّ في المنطقة ولكن بطريقة غير منظمة. وحتّى لو استطاع الشخص المغاير أو المغايرة جنسياً إجراء العملية يبقى تعديل الأوراق الثبوتية قانونياً صعباً للغاية أو حتّى مستحيلاً.

وفي العديد من دول الخليج، تعتبر الترانسجندرية ظاهرة مرفوضة تماماً. في عام ٢٠٠٧، قامت السلطات الكويتية بتجريم الأشخاص الذين يقلّدون بمظهرهم أفراد الجنس الآخر. وتشير التقارير أنّ الحكومات في العديد من الدول العربية تقوم باعتقال وتعذيب الأفراد الترانس تحت ذرائع واهية مثل الفجور أو ممارسة الدعارة.

ويشكل غياب شخصيات عامّة بارزة من المغايرين أو المغايرات جنسياً في المنطقة العربية عائقاً أمام تعرّف الجمهور العريض على هوية الأفراد الترانس. في المغرب، هناك بعض الشخصيات الترانس المعروفة، مثل نور الطالبي، واحدة من الراقصات الأكثر شهرة في البلاد. ورغم أنّ الطالبي تواجه العديد من الصعوبات والتحديات في مجتمعٍ يرى الجندر من منظار محافظ وضيّق، فإنّ وجودها في المجال العام يساعد على رفع مستوى الوعي العام حول هويّة الأفراد الترانس.

في العام 2010، أحدث ظهور كتاب يصف مذكرات امرأة مغايرة جنسياً من الجزائر ضجّة في المنطقة. وكانت المرة الأولى التي يقدّم فيها كتاب باللّغة العربية تفاصيل عن حياة شخص مغاير جنسياً. ويروي الكتاب قصّة رندة التي جاءت إلى بيروت هرباً من التعصّب والتهديدات التي واجهتها في بلدها الأصلي بسبب مظهرها. وقد ساعد تسليط الضوء على تلك التجربة على إطلاق شرارة نقاش عام حول الطبيعة المعقّدة للهويّة الجندرية.